تحميل الكتاب كاملاً

 

  

الأنشـــــــــــــــطة

البحث في كتاب

مشكلات الشباب

 للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

 

  و قد اقتبسنا من هذا الكتاب المتميز عدة فقرات و لم نحذف من هذه الفقرات شيئاً نظراً لأهمية ما ورد فيها و في هذه الفرات ذكر لأهم المشاكل التي تهدد الشباب العربي .

 

من أين تنبع مشكلات الشباب

 

ونبدأ قبل كل شيء فنتساءل: هل يعاني الشباب حقاً من مشكلة؟..

والحقيقة أن الشباب(بحد ذاتهم) أينما كانوا ليست لهم مشكلة ما. أي ليسوا متشاكسين مع أنفسهم أو عقولهم، في أي أمر من الأمور. ولا في أي مكان أو زمان، ما داموا من صنف العقلاء الخاضعين لسلطان البشرية وقانونه الطبيعي.

إنهم كانوا، وما يزالون، يتصرفون في شؤونهم الفكرية والنفسية، تصرفاً منسجماً مع مقتضيات الطبيعة البشرية والنوازع الفكرية والعقلية. قد يخطئون أو ينحرفون، ولكن ذلك ليس نابعاً من مشكلة خاصة بهم من حيث إنهم شباب، بل إنهم في ذلك قاسم مشترك واحد، كعوامل العصبية أو الردود النفسية أو الانصياع للتقاليد والعادات.

إذن فمن أين ظهر هذا العنوان الضخم الذي راح يرتسم بأحرف كبيرة جداً بحيث كاد يغطي بقاع العالم كله، حتى أصبح الحديث عن(مشكلات الشباب) معالجة لموضوع عالمي خطير، تشترك في معالجته والحديث عنه جميع وسائل الاعلام، إلى جانب جميع مجلات الدنيا الى جانب طائفة كبيرة من النشرات والكتب والرسائل التي ظهرت في هذا البحث؟!..

لقد كان هذا العنوان تشخيصاً لمرض اتخذ مظهره في صنف الشبان دون غيرهم. فحسب السطحيون أن عنصر الشباب هو ينبوع هذا المرض وسببه، وأن شذوذاً ما قد تسلل إلى التركيب النفسي او العقلي لهؤلاء الشبان!. فانطلقوا يبحثون ويعالجون ويضعون الوصفات العلاجية المختلفة لاشخاصهم. ويلفتون انظار العلماء والمربين الى سوء حالهم وضرورة العمل على تدارك امرهم.

إلا أن من المقطوع به أنهم يبحثون في غير طائل، وأن علاجاتهم لا تقع أي موقع للشفاء، لأن الشباب ليسوا هم المرضى، إنما هم بمثابة انعكاس لحالة مريض آخر!..فمن هو هذا المريض؟

إنه المجتمع الذي يبصر ما يسميه بـ (مشكلات الشباب) ثم ينحصر نظره وفكره في شأنهم وغرائزهم زاعماً أنه يحاول بذلك أن يطببهم ويربيهم ـ أشبه بمن خاض بسيارته في طريق مستوعر مملوء بتضاريس الحجارة والأخاديد، فلما رآها تضطرب وتتقلقل ولا تتثبت في سير أو اتجاه، نزل منها وراح يحملق في محركاتها ودخائلها، ساعات من الزمن ليكتشف ما فيها من خلل وعطب!

ليست في عقول الشباب ولا في نفوسهم ـ اينما كانوا ـ أي مرض أو آفة يعانون منها، ولكنهم بمثابة جهاز حساس يرتسم عليه كل ما قد يكمن في المجتمع الذي هم فيه، من مظاهر الفوضى والتخلخل والاضطراب.

ولو كان الكهول والشيوخ يتمتعون بمثل تلك الحساسية التي عند الشباب لاشتركوا معهم في معاناة المشكلات ذاتها.

ولكي تزداد هذه الحقيقة وضوحاً، ينبغي أن تعلم أن الانسان انما يخوض معترك الحياة بسلاح من الطاقة العقلية والنفسية. بيد أن كلا منهما لا يزيد في طوره الأول، (عندما يكون مجرد هبة الهية تنزلت اليه من الغيب) على ان يكون مثل النواة الصغيرة من الشجرة مثمرة متفرعة الأغصان، بما يكسبه صاحبها على المدى الطويل، من التجارب والخبرات وبما يربو بين جوانحه من العواطف والوجدانات المختلفة.

وبعض هذه التجارب والخبرات يكون موجهاً ومقصوداً وهو ما يطلق عليه علماء التربية: العوامل التربوية المقصودة كالمدرسة ونحوها، والبعض الآخر ـ وهو الأكثر والأهم ـ يكون عفوياً لا يندفع اليه بأي قوة موجهة، وهو ما يسميه علماء التربية بالعوامل غير المقصودة، كالبيئة والوراثة ونحوهما.

وهكذا فان شخصية الشباب الفكرية والنفسية انما يتكامل معظم نسيجها عن طريق المجتمع بوساطة عوامل تؤثر فيه بشكل مباشر أو غير مباشر.

فلا جرم ان الشباب يكون بذلك أدق لوحة تنعكس عليها حالة المجتمع الذي هو فيه ان خيراً فخير أو شراً فشر.

ولا جرم أن ما نراه من مظهر الخير أو الشر على هذه اللوحة، انما هو صورة للحالة السليمة أو الفاسدة التي يتسم بها المجتمع لا أكثر.

ستقول: ولكن ما الفرق؟ ولماذا لا تكون الحالة التي ينطبع عليها المجتمع صورة للحالة السليمة أو الفاسدة التي يتلبس بها شباب الأمة بدلاً من العكس؟

ويمكنك أن تتبين الجواب من خلال السطور السابقة.فلقد تبين لك مما ذكرنا أن الشاب هو الذي يتلقى تربيته المباشرة أو غير المباشرة من المجتمع، وليس المجتمع هو الذي يتلقى تكوينه من الشاب الواحد.

وما هو المجتمع؟ انه البيت، والمدرسة، والشارع، والمسجد، والملهى، والحانوت، والمعمل، والدائرة، بما قد يكتنف ذلك كله، من المعاني والقيم والأفكار.

ولا شك أن القوة الموجهة في هذه المرافق كلها، انما تجمعت فيها بتأثير أفراد وقوانين وأفكار علماء وموجهين. ولكنها بعد أن امتلأت بهذه الشحنة، انتقلت من دور التأثر الى دور التأثير، فأصبح لها سلطانها التربوي والتوجيهي على الأفراد لا سيما الشباب.

غير أن سلسلة هذا التفاعل في التأثر والتأثير تظل مستمرة.

فالأفراد والعلماء الذين يؤثرون في المجتمع، انما يؤدون أمانة استودعها عندهم المجتمع السابق بما كان له عليهم من سلطان وتأثير.

وهكذا، فان مجتمع كل عصر من العصور متأثر بسابقيه مؤثر في لاحقيه.

لعلك تسأل بعد هذا الذي ذكرناه: أفليس هؤلاء الباحثون الذين يؤرقون فكرهم في معالجة ما يسمونه بـ (مشكلة الشباب) على علم بهذه الحقيقة التي ما ينبغي أن تخفى على أحد؟ فلماذا يحبسون فكرهم في اللوحة

التي انعكست عليها آثار المشكلة، ولا يلتفتون الى المجتمع الذي هو ينبوع المشكلة وأساسها؟(1).

والجواب أنهم أو أكثرهم، على علم بهذه الحقيقة، ولكنهم مع ذلك لا يلتفتون إلى المجتمع الذي هو مكمن الداء ومنبع المشكلة، لا نهم لا يرغبون له أن يكون على غير هذه الحالة، إذ هي تلذ لهمم على سوئها وتتفق مع رغباتهم على خطورتها.فهم والمجتمع كالمدمن مع الخمر، يرى أضرارها ويلمس آثارها السيئة في جسده، ولكنه مع ذلك يظل عاكفاً عليها، ويذهب يعالج جسمه من أضرارها بما لا يغنيه من الأدوية والعلاجات المسكنة.

أجل إن الداء في المجتمع وإن الباحثين ليعلمون ذلك. ولكنهم لا يصبرون عن دائه اللذيذ، كالمدمن لا يصبر عن كأسه المعتقة، غير انهم يجدون أنفسهم وجهاً لوجه مع آثار مؤذية ومتعبة لهذا الداء، تتمثل فيما يسمونه: مشكلات الشباب، فيضطرهم التبرم بها الى لون غير مجد من المقاومة لها، كمن قد تلوث ثيابه وجسمه بحلواء جمعت الذباب اليه من كل جانب فهو يطيرها بيده هكذا كلما تبرم بها وأزعجه أمرها.

وهذا الانسان يظل نزاعاً إلى أن يغنم من دون مغرم وإلى أن يكسب من دون أي خسران فهو يركن إلى الحالة الاجتماعية التي هو فيها، وإن كانت سيئة، لأنها تدغدغ أحلامه وتستجيب لشهواته وأهواءه، ولكنه مع ذلك يتبرم بنتائجها وآثارها، فيسعى سعيه العابث في أن يعاند الحكمة الالهية ويقطع هذه النتائج عن أسبابها، عله يستمتع بالأسباب اللذيذة، ويتخلص من النتائج المتعبة! وانها لاعظم مشكلة للانسان في هذه الحياة.

***

والآن، ينبغي أن نستعرض أصناف هذه المشكلات ومدى أهميتها، آخذين بعين الاعتبار مجتمعنا الاسلامي الصغير.

إذ لا شأن لنا بتلك المجتمعات النائية الأخرى التي لا سلطان لنا عليها.

ولسوف نجد في نهاية بحثنا ان الحديث عندنا عن مشكلات الشباب، يعود في قسم كبير من دوافعه الى تقليد الغرب في كل ما يأتي ويذر!

وإلا فإن مشكلات الشباب عندنا لا تبلغ أن تكون جزءاً من هذه المشكلات التي يقوم ويقعد بها الناس في الغرب.

ولكن مهما يكن فاننا سائرون في الطريق، ومجتمعنا يشد شداً بحبال من التقيد الأصم الأبكم، إلى المجتمعات الغربية، ويقدر ما أحرزناه إليهم من القرب، أحرزنا ما يتبرمون به من مشكلات.

فلنعالجها بالوصف والكلام، عسى الله أن يقيض لها من يعالجها بالعمل والتطبيق. ولنتحدث الآن عن أصناف هذه المشكلات.

***

 

مشكلات الثقافة والعلم

ليس شيء أحب الى الشباب المثقف اليوم من أن يعلم !..أي أن يطلع على أي مجهول، وهو يحب أن يسخر لذلك كل ما يقع تحت يده من وسائل العلم والاعلام،بدءاً من الكتاب العلمي، إلى المحاضرات والندوات، إلى جهاز التلفزيون والاذاعة، الى نافذة السينما والشارع!.

ولو أن المجتمع استغل رغبة الشباب هذه فجند كل ما يدخل تحت سلطانه من وسائل العلم والاعلام، لخدمة الحقيقة والكشف عن خفاياها والوصول إلى علم سليم بها لظهر من هؤلاء الشباب جمهرة كبرى من العلماء المتبصرين المطلعين على طائفة كبرى من حقائق هذا الوجود.

ولكن المجتمع لم يستغل هذه الرغبة.. فلم يستفد اكثر هؤلاء الشباب من مغامراتهم العلمية والثقافية شيئاً.

يعكف الشباب من هؤلاء على دراسة كل شيء ثم يعود أخيراً ـ كما يعترف هو ـ بلا شيء.

ويستهوي أحدهم دراسة الفلسفة ونظرياتها، أملاً في أن ينفذ من طريقها الى معرفة الحقيقة وأسرار الكون، فيعود من رحلته بجهل أعظم وشكوك أخطر وحيرة أشد.

ويحاول آخر أن يتزود من ثقافة[1]امته بنصيب آملاً أن يجد عندها حلول المعضلات الاجتماعية، ولكنه يعود من الثقافة التي تزود بها ، بمزيد من المشكلات والمعضلات الاجتماعية المحيرة!.

تلك هي صورة المشكلة.

ولكن ما هي جذورها وعواملها الأساسية؟

والجواب ان كلمة (العلم) في مدلوله المنطقي المعروف: ادراك الشيء مطابقاً لما هو عليه في الواقع. ولا يسمى هذا الادراك علماً الا اذا تكاملت الادلة على أنه ادراك موافق للحقيقة والواقع ولافرق بعدئذ بين أن تكون المسألة من الطبيعيات الخاضعة للتجربة والحس، أو المجردات الخاضعة للنظر والفكر.

ومن أوضح النتائج المترتبة على ذلك، أن كلمة (لعلم) لا تطلق على إدراكين متخالفين لحقيقة واحدة، إذ لابد أن يكون أحدهما مخالفاً للواقع، فلا يكون عند ذلك علماً.

غير أن هذه الكلمة، تنسحب ـ في مدلولها الشائع اليوم ـ على طائفة لا حصر لها من النظريات والآراء والتصورات المتعلقة بأمور شتى، مهما تناقضت واختلفت عن بعضها!.

إن أي معالجة فكرية لحقيقة ما، جديرة بأن تضفي على النتيجة التي تنتهي إليها، اسم (العلم )بكل ما لهذه الكلمة من قداسه وحصانة وتقدير، بشرط واحد، وهو أن تتسم هذه المعالجة بما يسمونه:(البحث العلمي).

وإنما يكون البحث علمياً، بمجرد أن يتبع صاحبه منهجاً معيناً يستعلي فيه على المعتقدات الدينية وغيبياتها. وبناء على هذا الشرط وحده يمكن للبحث العلمي أن ينتهي إلى أحكام علمية قاطعة وان يغدوا أصحاب هذه البحوث، بحق، علماء، يأخذوا بعلمهم كل من يؤثر أن يكون علمياً في تفكيره ويقينه!.

والنتيجة التي لا ريب فيها هي أن تنتهي هذه(البحوث العلمية) إلى نتائج من الأحكام العلمية المتناقضة، على الرغم من تعلقها بحقيقة واحدة، وأن يسمى أصحابها مع ذلك علماء فيها على الرغم من تخالفهم، إلى عدة آراء في المسألة العلمية الواحدة.

ولنضرب مثالاً على ذلك.

يتجه الشباب المثقف نحو الاسلام ليستمع إلى عقيدته وأحكامه، عن الكون والانسان والحياة، فيتسلل اليه وحي من المجتمع يقول: انت رجل علم، وإنما الدين اعتقادات غيبية لاسند لها، ولكن تعال فأصغ إلى ما يقوله العلم على لسان اقطابه، تعال فأنصت إلى كانت وديكارت، وفرود، وكارل ماركس، ودارون، وستوارت ميل..الخ.

إذاً فالعلم الحقيقي عن الكون والإنسان والحياة انما هو عند هؤلاء، لأنهم يتبعون المنهج العلمي ولا ياسرون أنفسهم للعقائد الغيبية.

وينصت الشاب إلى هؤلاء، ويمعن فيما يقوله كل منهم وإذا النتيجة العلمية لهؤلاء العلماء نتائج متناقضة متشاكسة:

فكانت وديكارت لا يؤمنان بما يؤمن به دارون من النشوء والإرتقاء، ودارون لا يذهب الى ما يذهب اليه فرود فيما يتعلق بالجنس وسلطانه على النفس، والذين يرون، من هؤلاء الباحثين، ان نظام الكون قائم بقانون الميكانيك، لا يؤمنون بما يراه ماركس واشياعه من أنه قائم على نظام الديالكتيك.

وهكذا، فان لكل من هؤلاء الباحثين مذهباً انتهى إليه في تفسيره للوجود والحياة، يختلف في كثير من جوانبه عما ذهب إليه الآخرون اختلاف النقيضين.

فالشاب المثقف الذي يدعوه مجتمعه الى دراسة هؤلاء الأشخاص، على أنهم علماء، وعلى أن أحكامهم على الكون وأسراره هي العلم ـ أي حكم من هؤلاء الأحكام المتخالفة يعتمد، وبأيها يأخذ ويصدق؟!.أي أن قيمتها العلمية تكمن في تجردها عن سلطان الدين، لا في مدى قربها أو ملامستها للحقيقة بحد ذاتها؟!

هنا تبدأ المشكلة.. وعند هذا الشعور النفسي أو التساؤل العقلي ـ مهما كان دقيقاً وخفياً ـ تظهر أول عقدة علمية أو فكرية في نفس الشاب. انه قد يختار مذهباً من هذه المذاهب (العلمية) المتخالفة، لدافع ما اجتماعياً كان أو نفسياً أو تربوياً أو منفعياً. ولكن هذا المذهب الذي اعتنقه وأخذ به، لا يورثه ما يورثه ادراك الحقيقة العلمية على وجهها الصحيح، من الطمأنينة والسكينة النفسية أو الرضا الفكري.

ذلك لأنه، وقد استمسك بأي من هذه الاراء، انما فعل ذلك تجملاً بحلية الفكر التقدمي أمام أقرانه ومجتمعه أو آملاً في خير ينتظره، أو توقياً من شر يطوف به، أما في أعماق نفسه ولدى الخلو التامة وجهاً لوجه مع عقله، فهو يتأرجح بين نظريات وفروض لا أول لها ولا آخر: فهو لا يكاد يصغي الى الفلسفة الوجودية قليلاً، حتى يصحو الى الرد عليها من الفكر الماركسي، وما هو الا أن يمعن النظر قليلاً في هذا المذهب الثاني، حتى يجد الرد قد تقاذف عليه من كل حدب وصوب. ويفر من زحمة هذا الجدال والضجيج إلى أحدث رأي تقدمي عن الكون تتبناه طائفة كبرى ممن يطلب له أن يستظلوا بظلال البحوث العلمية، وهو الرأي الذي نادى به دارون فيما يتعلق بالحياة وأصل الأنواع، ولكنه ما يكاد يستريح إلى هذا الرأي ويلقي العصا عنده، حتى يبصر(الداروينية الحديثة)[2] تكر في هجوم يأخذ عينه ويلفت نظره حتى يبصر داروينية اخرى من خلف هذه الثانية، تجد جدها في السعي لتحطيمها، وهي تحمل على كاهلها راية فكر جديد‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!.

في خضم لأحكام(العلمية) الهائجة المتطاحنة، ينتاب نفسية الشباب وفكره دوامة من الجهل المتعب والحيرة المؤرقة، ويخرج من خلوته الفكرية هذه بنفس تنكر كل شيء، وتتساءل عن كل شيء.

غير أن هذا الشعور لا يتجاوز مع ذلك أعماق نفسه. فلاجرم انه يبرز من خلواته الفكرية هذه إلى الناس رابط الجأش مستمراً في اتجاهه مواصلاً الدفاع عن مذهبه الذي عرف به، للأسباب التي ذكرناها آنفاً.

ولما كان ظهوره بثباته الفكري ودفاعه عما يتمظهر أنه يوقن به، مجرد ستار يغطي الحيرة والقلق اللذين يشعان في طوايا نفسه، فان الحيرة والقلق يظلان في ازدياد وتصاعد، وما ينفك الرجل يجتر سبحانه الفكرية وشكوكه العقلية في كل شيء، كلما خلا إلى نفسه وراجع إلى أمر ذاته.

وهذه المشكلة ـ على خطورتها ـ لا يحس بها في هذه المرحلة، غير صاحبها، إذ هي تعيش كما قلنا في ضميره البعيد ومشاعره الدقيقة.

ولكنها. لا تلبث فيما بعد، أن تنعكس إلى سلوكه وعلاقاته مع الآخرين. إذ يغدو مستهيناً بكل شيء لا يضع لحياته هدفاً ولا يسمو بها إلى أي مبدأ. وفي مجتمعنا اليوم كثير من هؤلاء الشبان، ولا ريب أنهم في ازدياد.

***

وربما بحث الواحد من هؤلاء عن منقذ له من هذه الشكوك والتناقضات، فراح يلتجئ إلى الفلسفة. يظن، من ضخامة هذا الاسم، أن عند أربابه الخبر اليقين عن كل شيء.

وقد قالوا قديماً، إذا درست نصف الفلسفة، رجعت إلى نفسك بجهل أشد وحيرة أخطر، أما إذا درستها كلها ونفذت إلى أعماقها، أورثتك علماً غزيراً وفهماً صائباً لحقائق كثير من الأشياء.

وأكثر الفلاسفة المعاصرين الذين أمضوا حياتهم في دراسة هذا الفن، إنما وقفوا منه في ربع الطريق. فأورثتهم تلك الدراسة نظرة مزورة إلى الأشياء، وغرست بين جوانحهم وسواساً في كل شيء. وقد ألف هؤلاء الفلاسفة كتباً وأبحاثاً، ولكنهم أودعوها وساوسهم الفكرية أكثر من أن يضمنوها حقائق علمية. هذا بالنسبة لأساطينهم المعروفين ذوي الأسماء الهائلة، والشهرات الذائعة، فكيف بمن نسج على منوالهم تقليداً، وكتب على نهجهم تجملاً وتمشدقاً؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

فالكثير من شبابنا اليوم، مفتونون بدراسة هؤلاء الأشخاص، وقراءة كتبهم والاهتمام ببحوثهم. وانما الدافع لهم الى ذلك ما قد قلته لك: البحث بين هذه الاسماء الضخمة عن منقذ لهم من شكوك(العلماء)وتناقضاتهم حول حقيقة الانسان والكون والحياة.

ولكن هذه الدراسة تقذف بهم الى جهالات أشد وظلمات اطم، وربما عادوا وهم يشكون في قيمة العقل ذاته، كما لمست ذلك عند طائفة من الناس.

فقد زارني منذ حين ثلة من هؤلاء الشباب، ذوي الشعور المسبلة والازياء العجيبة، وأخذوا يطرحون ما عندهم من تساؤلات عن الحياة والانسان وأصله ومصيره، فسالتهم عن الكتب التي درسوها والمذهب التي انتهوا إليها. فسردوا لي أسماء طائفة من الكتب الفلسفية المترجمة، واخبروني انهم لم يستفيدوا منها شيئاً، بل عادوا الى الحيرة التي انطلقوا منها!

قلت لهم: ان فاقد الشيء لا يعطيه، وهؤلاء الذين قرأتم لهم ودرستم أفكارهم هم أنفسهم أحوج الناس الى من ينقذهم من حيرتهم.

ان كل ما عندهم أنهم يستعرضون المذاهب الفلسفية قديمة أو حديثة، ثم يتبعون كلاً منها بالنقد الذي يرون. ومن العبث أن تنتظر منهم الحكم المبرم في الأمر. اذ ان موقفهم ليس أكثر من موقف المستعرض والمقارن، ثم المتشكك في جملة الأمر كله.

وقلت لهم أخيراً: ان للبحث العلمي في عصرنا مشكلة كبرى، وان أول مفتاح لحلها هو أن نتعلم كيف نقرأ ومن أين نبدأ القراءة[3].

***

ثم أن الثقافة تساهم هي الاخرى بدورها، في تفاقم المشكلة وازديادها.

ولنعلم قبل كل شيء الفرق بين العلم والثقافة.

ان العلم هو كما قلنا: ادراك الشيء ادراكاً مطابقاً لما هو عليه في الواقع ونفس الأمر بدليل، يقطع النظر عن أي زمان أو مكان. أما الثقافة فهي تلك المعارف والخبرات التي تتعلق بطبيعة أمة، وتراثها، وتقاليدها، ومجتمعها، ومواضعاتها السلوكية والتربوية.

وعلى ذلك، فان (العلم) هو السلعة القابلة للتصدير والاستيراد في نطاق العالم كله، لا ينبغي أن تتعثر في طريقها بدين أو مبدأ أو مصلحة أو تقليد. أما الثقافة فرغم انها قد تنهض في كثير من جوانبها على حقائق العلم، ولكنها في مجموعها تعتبر من خصائص شعب أو أمة ما تنسج على قدرها، وتنطبق على حياتها.

فالشاب المثقف إذاً هو من قد تفتح فكره على طبيعة البيئة التي هو فيها، بكل ما تنهض عليه من تاريخ وأعراف وقيم ومواصفات التربية والسلوك.

ولكن مجتمعنا اليوم لا يكاد يتمتع بثقافة، إنه أشبه ما يكون بكيس قد أفرغ من محتوياته الأصلية. ثم حشي ـ كل مخلاة ـ بأجزاء متناثر من ثقافات الأمم الأخرى.

وعندما يقبل الشاب بفكره على المجتمع ليتزود من ثقافته بزاد، يقع من جراء ما قلناه، في تناقضات تتعلق بشؤون الحياة، واضطراب في وجوه التربية والسلوك وتنافر في أنظمة المجتمع.

وعلى سبيل المثال نقول: ان الفكرة التي تنهض عليها حياة المرأة (التقدمية) عندنا، فيما يتعلق بمظهرها وعملها واختلاطها مع الرجال، لا تتفق مع واقعنا الاقتصادي ولا تتفق مع الفكرة الأخرى التي ينهض عليها نظم الأسرة عندنا، من اعتبار الزوج هو المسؤول عن المهر والنفقة، وهو المشرف على البيت وشؤونه.

والأصول التربوية التي يؤخذ بها الطفل في مدارسنا أو تهيمن على الكثير من بيوتاتنا، لا تتفق مع طبيعة القيم والمبادئ التي نأخذ أنفسنا وأطفالنا بها.إذ إن هذه الاصول التربوية مستوردة من مجتمعات لا ينهض الدين عندهم إلا على تربية العاطفة والوجدان، في حين أن الدين عندنا ما ينبغي أن ينهض في جوهره إلا على العقل وقناعة الفكر، وليس للعاطفة في ذلك إلا دور الرديف.

ان هذا التنافر بين جوانب الثقافة التي تشيع في مجتمعنا، تعكس أخيراً نوعاً خطيراً من التشاكي في نفسية الشباب الذين وضعوا لبان  الثقافة الممزوجة المتنافرة.

ان احدهم لينظر الى تاريخه الأوعر، في فترة العصور الوسطى، بنفس تلك العين الحمراء المزدرية التي ينظر بها الغربيون الى هذه المرحلة من تاريخهم.

وان أحدهم يأبى الا ان يخضع إسلامه الذي لم يعرف يوماً ما أي عداء أو اختلاف مع شيء من حقائق العلم، لنفس البوتقة(الاصلاحية) التي ادخلت اليها المسيحية لتغدو متفقة مع سير الفكر والعلم.

واللغة العربية ـ وقد كانت تملك كنزاً من الثقافة المتنوعة ـ ففقدت اليوم معظم كنزها هذا، واستحالت، بعد أن أفرغت من مضمونها الأدبي العظيم، الى وعاء يفيض بالمذاهب والاتجاهات الادبية الاجنبية التي ليست من هذه اللغة وطبيعتها في شيء وانصرفت اذهان الشباب الى تلك المذاهب والابتداعات الاجنبية، لينصرفوا أخيراً عن دراسة لغتهم وطبيعتها وما تنهض عليه من قيم وقواعد ودراسات.

فهذه القطع المتنافرة من الثقافة التي تجمعت اجزاؤها من هنا وهناك، لا تعود في اضرارها الوبيلة الى المجتمع فقط من حيث هو هيئة تركيبية لحياة الناس، بل تعود قبل ذلك بالتعقيد الى نفوس الشبان الذين هو أول من يصابون بدائها ويعانون من تناقضاتها.

ومن أهم آثار هذا التعقيد أنه يقضي على امكانات صفاء الرؤية الى حقائق الاسلام واصوله ويقيم بينه وبينها حواجز من الجهالات الكثيفة التي لا وجود في الأصل لها.

 

***

مشكلة الصراع النفسي

واعيد ما قد قلته لك، من أن هذه المشكلات، ليست مرضاً كامناً في كيان الشباب ونفوسهم، وانما هي مرض يعاني منه المجتمع، وليست مشكلة الشباب الا عرضاً من أعراض مرضه هو.

ولذلك، فان ما نسميه بالصراع النفسي عند الشباب، ليس ظاهرة شذوذ وجدت فجأة في احساساتهم. وانما هو انعكاس لاسوا ظاهرة اصطبغ بها المجتمع بشتى مرافقه وجوانبه. وكان لابد لهذا الانعكاس أن يرتسم بجلاء وخطورة على نفسية الشباب التي هي ادق جهاز حساس من نوعه.

فمن أي الأمراض الاجتماعية ينشأ الصراع النفسي لدى الشاب؟

انها في الحقيقة امراض كثيرة متنوعة، ولكن من الممكن ان نحزمها جميعاً تحت عنوان واحد.ألا وهو: داء الازدواج والتناقض.

واذاً، فالأمر الكلي الخطير الذي تعاني منه الناشئة في مجتمعاتنا انما هو الازدواج!.. الازدواج في القدوة والازدواج في التعليم، والازدواج في التربية، والازدواج في طرح الافكار والقيم، وبالجملة فهو الازدواج في جميع الحقول التي تساهم في تكوين شخصية الشاب ونسيجه الفكري.

ففي المدرسة ـ وهي أهم العوامل التربوية ـ يتلقى التلميذ أمشاجاً من القيم والآراء المتناقضة المتنافرة يتسابق اليه بها مربون ومعلمون متناقضون في الفكر والمنهج والسلوك. فهو يتلقى من مدرس الفلسفة والاخلاق نقيض ما قد تلقاه من مدرس الدين، ثم يتلقى من مدرس العلوم خلاف ما كان قد تعلمه من كليهما.

وتغدو عملية التربية والتعليم والتثقيف، في حياة التلميذ، عبارة عن صراع بين البناء الهدم والمحاولات المتدافعة، وتتجمع حصيلتها في كل من ذهنه ونفسه، غباراً وغشاوات داكنة، تحجز العقل عن الفكر وتبعد الصفاء عن النفس.

في الشارع والمكتبة والنادي وأمام التلفزيون، تطوف به مظاهر اخرى من هذا التناقض العجيب.

فهو يسمع في هذه المرافق كلها عن الأخلاق والفضيلة وضرورة التقيد بهما وخطورة الخروج على قانونهما. ويسمع أيضاً عن الحرية والحياة العصرية وضرورة التجمل بهما، عن خطورة الكبت والقيد والقوقعة في حمأة التقاليد.

وهو يسمع في هذه المرافق كلها عن الدين وحقائقه وقيمه وضرورة قيام المجتمع على دعائمه والاستعانة بمنهاجه وعلاجه لحل كل مشكلة. ولكنه يسمع أيضاً عن الرجعية وأوضارها والنهضة العلمية، وكيف أنها نسخت العقائد الدينية، وعن ضرورة تحرير الفكر من أسر الايمان بالغيبيات والاستعانة بالفكر المادي لحل كل مشكلة وتحرير كل أرض!

انه يلمس هدا التناقض الخطير في الشارع الذي يسير فيه، ويقرؤه في الكتب والمجلات التي يطلع عليها، ويسمعه في المحاضرة والندوات التي يغشاها، ثم هو يعانيه بين زملائه وأصدقائه الذين ينعكس عليهم ذلك كله، جدالاً ومشادة وهياجاً.

وفي البيت تتجمع آثار ذلك من حوله، في مظاهر اشد خطورة وبأساً. اذ قلما تخلو اسرة من أعضاء متناقضين؛ فيتحول وئام البيت وسعادته الى شقاق وشقاء وتسوء علاقة الوالد مع أولاده، وتتأزم صلة الزوجة بزوجها ويتعالى الشجار بين الجميع عند كل صباح ومساء.

***

ثم أن هذه التناقض يتجسد في جوانب اخرى من المجتمع، حيث يبدو في مظهر هادئ من النفاق الأملس. فيفوق في أضراره وبلائه على الناشئة، تلك المظاهر المتناقضة الاخرى، إذ تكون هي وحدها في الغالب، محط الخديعة وكبش الفداء.

يسمع الشاب، في نفس صافية وقلب صدوق، حديث التضحية والوطنية والفداء، ضمن قالب رائع من الألفاظ والشعارات، فيصدق ويتحمس ويتفاعل.. ثم يكتشف على حين غرة أن الشأن أهون من ذلك بكثير، وأن الأمر لم يكن أكثر من بضاعة كلام.

ويصغي السامع إلى كثير من الوعاظ والخطباء الموجهين، فيتأثر لما يسمع، وتطمح به نفسه إلى القيم العالية والأخلاق الفاضلة. وفيما هو يسير بصدق وحماس إلى هذه الغاية، يفاجأ باكتاف أغراض ومصالح اخرى من وراء كثير من تلك التوجيهات والعظات البليغة، ويكشف من حال اربابها ما ينقضها كل التناقض[4].

هذا هو المجتمع الذي ينشأ الشاب في ظله!

وهذه هي الأجواء التربوية التي ينهل الشاب بتربيته ويستوحي نهج سلوكه منها!.

فأي مصير تنتظره من الشاب أفضل من هذا المصير الذي يشكو الناس منه؟

ومن هو الشاب؟ انه كتلة غضة يانعة من الفكر والنفس والعواطف.. وكل من هذه العناصر الثلاثة محتاج أشد الحاجة إلى الغذاء الصالح الذي يتوقف عليه نموه وتكامله.

ولقد كان الغذاء ـ لسوء الحظ ـ هذا الذي وصفته لك، فماذا عسى أن تكون النتيجة؟..

إن النتيجة الأولى أن يقع الشاب في عراك، بل في صراع نفسي.

أما نتيجة هذه النتيجة، فهي انعدام ثقة الشاب بالمجتمع وانعدام صلة الاستفادة مما بينهما. فلا الشاب يصلح أن يتتلمذ عليه ولا المجتمع يصلح أن يكون مربياً له، وإنما يغدو الشاب أستاذاً لنفسه، منفرداً بارشاد ذاته!..

ثم تكر النتائج الى أخرى بعد ذلك.. ولا ريب انها تتمثل في الانحراف الفكري، والتعقد النفسي، والانطلاق الغريزي.

واعلم ، انه بمقدار ما يكون واقع التناقض والازدواج اللذين وصفناهما ضارياً وشديداً في المجتمع، يكون انعكاس ذلك على الشاب ضارياً وشديداً أيضاً.

وانظر، تجد مصداق ذلك متمثلاً في تفاوت ما يسمونه اليوم بمشكلة الشباب إذا ما قارنت بين مجتمعات العالم المختلفة، وذلك تبعاً لمدى تفاقم هذا المرض فيها.

أما الآن فلندرس النتائج الخطيرة التي تنعكس اخيراً في حياة الشاب إثر ما قد ينتابه من صراع نفسي يطول أو يقصر أمده.

انها أولاً تتمثل في الانحراف الفكري. لان المقدمات المنطقية المتناقضة تنتج شيئاً واحداً هو: انكار طبيعة المنطق بحد ذاته. وليس لك ان تنتظر من الشاب غير هذا، مادام سائراً في المرحلة التي يتوكأ فيها عقله ـ بشكل طبيعي ـ على افكار الآخرين وتعليماتهم .. وقد توكأ عليها فأورثه اضطرابهم فيها عرجاً دائماً في الفكر.

وأي قيمة تبقى للعقل عنده، وقد علمت أن مقياس هذه القيمة عنده واقع المجتمع الذي يعيش فيه؟ وقد نظر فرأى العقل ممزقاً فيه بين تناقضات عجيبة يلمحها في جميع جوانبه.

إن من الطبيعي أن تجد أكثر هؤلاء الشباب لا يؤمنون بشيء، لأن اللاشيء هو النتيجة المنطقية للصراع المستمر بين شيئين!..

ثم إنها تتمثل في التعقد النفسي: لأن النفس الانسانية إنما تسير في فجاج الحياة بدافع من مجموع عواطفها المدافعة والرادعة والممجدة..

وهذه العواطف إنما يتألف نسيجها في النفس عن طريق المجتمع وما فيه من دوافع الامل والرجاء والحب، وروادع الخوف والعقاب والإشفاق، وأسباب النعيم والرفاهية والخيرات.

وبقدر ما يتألف في النفس مزاج معتدل من مجموع هذه الأنواع الثلاثة من العواطف الانسانية، يتوفر فيها الصفاء والشعور بالسعادة والاستقرار.

فكيف للنفس أن تسترضع من المجتمع الذي هذا شأنه عواطفها الانسانية في تناسق واعتدال؟!

إن المجتمع الذي تتشابك فيه متصارعةً القيم والمذهب والآراء ثم يتخذ من الناشئة حقلاً لتجاربه وحلبة لصراعاته ـ سواء تمثل ذلك في المدرسة أو البيت أو الشارع أو المكتبة ـ هذا المجتمع لا يستطيع أن يغذي نفس الشاب بأي معنى مما يسمى بالحب أو الأمل أو الرجاء، ومن ثم فهو لا يستطيع ايضاً أن يقرنه بأي مزيج معتدل من الخوف أو الإشفاق أو روح العقاب.

والنتيجة هي أن تنمو بين جوانح هذا الشاب نفس متمردة على كل شيء، لا تدين بولاء، ولا تنقاد لحب، ولا ترتدع بخشية. نفس مضطربة لا تؤمن إلا بذاتها، ولا تغذي سوى أنانيتها، لأنها لم تجد من سلطان العقل ما يفرض عليها أي سلوك آخر، ولم تجد من عطاء المجتمع ما يربطها بأي تعلق أفضل.

وتتمثل أخيراً في الانطلاق الغريزي، لأن العقل لما تثلم حده وعجز عن النظر والضبط، وتقاصر سلطانه عن السيطرة على النفس والقدرة على توجيهها ـ ظهرت من وراء ذلك الغريزة الطبيعية، منطلقة على سجيتها.

ومن شأن الانسان انه كلما ازداد تحرراً من قوته الفكرية، ازداد ارتباطاً بدوافعه الغريزية. وما الانسان لولا ضوابط العقل والتفكير الا حيوان هائج ثائر الشهوات والاهواء، قلما تجد في مثل شراسته أي حيوان آخر.

ذلك لأن قوانين الغريزة في الحيوانات المختلفة تسد مسد العقل، عندما تتوقف حياتها على انبعاثات عقلية مدبرة. اما الانسان فان الغريزة فيه هي الدوافع واللواعج الشهوانية فقط. إذ كان في وجود العقل وقيوده ما يغني عن ضوابط الغريزة وتدبيرها. فاذا ضاعت حكمة العقل وزال رشده، هاجت الغريزة هيجاً لا تجد مثله عند أي حيوان.

***

فهذه هي نتائج الصراع النفسي لدى الشباب، اذ ينعكس عن تناقضات المجتمع وازدواجه، على النحو الذي ذكرناه.

وهي نتائج لا مناص منها، ولا معنى للمكابرة في إنكارها، والواقع المشاهد يغني عن الحاجة الا أي برهنة نظرية عليها.

اللهم الا أن هذه النتائج تخف وتشتد، حسب درجة التناقضات القائمة في المجتمع خفة واشتداداً، أو حسب ما قد يكون للشاب من ظروف تدنيه أو تقصيه من هذا المجتمع المتناقض. وسوف نفرد لهذا العامل الثاني فصلاً مستقلاً فيما بعد.

 

***

مشكلة العثرات الاجتماعية

هذه مشكلة من نوع آخر،إنها قد لا تثير في نفس الشاب صراعاً للمعنى الذي ذكرناه. ولكنها تحجزه ـ جزئياً أو كلياً ـ عن مواصلة السير إلى الغاية التي يؤمن بها وتفقده الكثير من قدرته ضد ما قد يعترضه من تيارات معيقة.

ولن نستطيع في هذه العجالة أن نستعرض جميع هذه المشكلات. لنتناول بالبيان أهمها وأشملها.

هنالك مشكلتان خطيرتان يعانيهما الشاب من المجتمع، وتتكون امامه من كل منهما عثرة كبرى، تحيل امره مع سبيل الاستقامة والرشد إلى مغامرة شاقة تتغلب فيها احتمالات الهلاك على احتمال السلامة والنجاة. أولاهما تقابله في زحمة الشوارع والأسواق وما يتبعهما من المرافق العامة. وآخرهما تقابله ضمن جدران بيته عندما يتلاقى مع أفراد أسرته.

* ففي الشارع يرى الشاب من المناظر العجيبة المثيرة ما من شانه أن يذهبه عن جميع خصائصه الذاتية إلا خاصة واحدة هي انه حيوان (جنسي) يتوق من الدنيا كلها إلى شيء واحد هو الجنس!

هذه المناظر كانت ذات يوم مضبوطة بما يحكم به الدين أو الشرف أو الخلق أو القانون والنظام، ولكنها اليوم محكومة بعجلة السباق وحدها. فاذا كانت العجلة قد وصلت اليوم الى الكشف عن نصف الفخذ . فان لها ان تسابق الواقع فتصل غداً الى الكشف عن نصفه الآخر.. والعجلة سائرة والطريق أمامها مفتوح الى النهاية، لا يعترضها حد من الدين أو الشرف أو الخلق ولا حتى من الذوق!

إن العجلة مدفوع بها إلى الأمام(والأمام ما تستقبله العجلة في اتجاهها كيفما كان فلا جرم أنه ربما يكون في حقيقته وراءً) في طريق لا تصطدم فيه بشيء.. ولكن الشاب هو الذي يصطدم من آثار هذه العجلة بأعتى العقبات الهائجة في نفسه.

يريد الشاب أن يعطي من كيانه كله لوجوده كله، في تناسق واعتدال، بأن يعطي من تفكيره وعقله لأسرار الكون وحقائقه، ويعطي من إحيائه ووجدانه للحق الذي يؤمن به، ويعطي من غرائزه البشرية لبنيان المجتمع وقافلة الحياة ـ ولكنه لا يبصر من الوجود الذي حوله الا ما يعامل مع غرائزه البشرية فقط.

ولذلك فان من الطبيعي جداً ـ إذا ما التف به تيار هذا الوجود الجنس. تسأل عقله عن حقائق الكون، فتجيبك غريزته: هي المرأة! وتسأله لماذا يعيش: فيجيبك بملء كيانه: ابتغاء ليلة حمراء وفتاة 0حسناء!.

وليست المشكلة أن شباب هذا العصر تتقد الحرارة الجنسية بين جوانحه أكثر من الأجيال السابقة، فلذلك وهم باطل.

وانما المشكلة أن المجتمع لم يتعامل من مجموع كيانه الانساني كله إلا مع الغريزة الجنسية، فأيقظها، بل أثارها، بشتى المغريات والمهيجات، في الوقت الذي راح يهيء لبقية ملكاته وطبائعه الانسانية الأخرى مزيداً من أسباب السبات العميق.

ولتصاعد المغريات الجنسية وازديادها، عاقبة خطيرة جداً على الجيل كله، قلما تنبه لها المفكرون والباحثون.

وبيان ذلك أن أسباب تفقد قسماً كبيراً من فاعليتها، مع طول الاعتبار والنظر، وعندئذ يتطلب الامر تصعيد عوامل الاغراء لتجديد فاعليتها وإعادة ضرامها!.. ويسير الأمر: متلاحقاً،على هذا المنوال دون ان يقف عند حد: طول الاعتباد يبعث على الملل ويدفع الى الجديد،وعوامل التهييج والاغراء تترك على سجيتها لتدخل في سباق تصاعدي مع عوامل الملل والتقادم!..

سبق مستمر، لا يقف عند حد، الا الحد الطبيعي الذي تقف عنده المتعة وتنتهي أمامه اللذة. ولكن طول الاعتياد يظل يحقق قانونه حتى عند الوصول إلى قمة المتعة ونهاية اللذة الممكنة. فيتبرم الجيل الذي وصل الى كل شيء، بكل شيء. وتمضي النفس تبحث في هياج غريب عن مزيد من الجدة وجديد من المتعة!..

فذلك هو بدء الجنون في أخطر أشكاله على المجتمع ومقومات الحياة كلها!..

وقد رأينا مبادئ هذا الجنون بل كثيراً من آثاره في جهات كثيرة من العالم الغربي، وان عوامله لتسير في سرعة مذهلة متجهة الى أخطر العواقب الوخيمة على ذلك العالم بأسره.

وإن مجتمعنا ليسير في الطريق ذاته، وإن السباق المطلق بين عوامل الاغراء الجنسي وعوامل الملل والسآمة، ينطلق بكل ما يملك، ولا يلوح في الطريق أي حد يقف عنده هذا السباق الانتحاري. اللهم إلا ذلك الحد الطبيعي الذي تبدأ من ورائه مرحلة الشذوذ والجنون.

إن الشاب المسلم تقابله من هذا الواقع الاجتماعي الخطير، عقبة خطيرة لا يتأتى اجتيازها إلا بما يشبه الخوارق والمعجزات. إنها عقبة تصده عن السير في طريقه إلى الله.. وإنها لعقبة تصده عن السير إلى أي لون من ألوان الدفاع عن أرضه أو كرامته أو أي شيء من مقومات وجوده، وإنها لعقبة تصده عن أن يمضي في طريق تكوين ذاته وتنمية إنسانيته ومداركه.

إذ من شأنها أن تعمل على تذويب هذه الدوافع كلها في نفسه، ثم صهرها في قالب غريزي جنسي مجرد!..

***

* اما في البيت، فتقابله ـ في كثير من الحالات ـ عثرة اخرى من نوع آخر، ولكنها قد لا تقل خطورة عن النوع الأول .

وبيان ذلك ان الواقع الاجتماعي الذي وصفنا جانباً منه فيما مضى، جعل الأسرة تتألف (في اكثر الأحيان) من افراد مختلفي النزعة والاتجاه والسلوك، وذلك تبعاً لما انعكس عليهم من ازدواج المجتمع وتناقضه وتبعاً لما قد انتهت اليه مغامرة كل منهم مع تياراته المتصارعة.

وبناء على ذلك فكثيراً ما يحدث أن ينشاً الشاب أو الفتاة وقد قاوم هذه التيارات الجانحة واحتفظ لنفسه بجواهر من الفطرة الانسانية السليمة،يحوطها ايمان بالله والتزام لصراطه. فيشمئز احد الابوين أو كلاهما، او سائر افراد الاسرة من استقامته السلوكية ومنهجه الديني، اذ كان ذلك ـ بالنسبة لما قد تعودوا عليه ـ داخلا تحت ما يسمى بالشذوذ والتزمت والانطواء وما شاكل ذلك من الالفاظ المشابهة.

فيجند الجميع انفسهم لمقاومة هذا المسكين، وربما استعمل الابوان او احدهما احط الوسائل لالجائه الى التخلي عما قد آمن به قلبه وخضع له شعوره واستقام عليه سلوكه، فيحرمانه أو يحرمانها من المصروف الضروري وحاجات الكسوة والغذاء، رغم وفرة المال واتساع الرزق الذي اكرمهما به الله.

أجل!.. ان هذه المقاومة الضاربة العجيبة ليست وافدة استعمار اجنبي او صهيونية شرسة او عدو اجنبي للدين، ولكنها مقاومة أبوين(مسلمين) يرددان بألسنتهما شعار الاسلام، وربما كان الوالد يغشى المساجد بين الحين والآخر، وربما كان كل منهما يصبغ نفسه من الدين بصبغة تقليدية من الشعارات والألفاظ.

وهكذا فإن الغربة تلاحق الشاب المسلم أينما حل أو ارتحل.

ولا اتصور ابتلاء اعظم من ان يتحول البيت الذي هو سكن الانسان وقراره، الى عنصر مقاومة، ومن ان يتحول الذين فيه، وهم اقرب الاقربين، الى غرباء مقاومين ومشاكسين!.

اما في احسن الظروف المناسبة لحال هذا الشاب، فلابد ان يكون البيت ـ الا في الحالات النادرة ـ بعيداً عن المظاهر والآداب الاسلامية.

فالأقارب والأحماء في اختلاط وتمازج دائم.. والاوقات تقتل باللهو الذي لا يرضى عنه الله ولا يأتي بأي طائل .. والعورات مكشوفة.. والانظار تسترق المحرمات الفاضحة وتبعث بها الى النفس الجياشة لتعيش في احلام آثمة.

ان مثل هذا البيت، لا يمت الى المنهج ولا الخلق الاسلامي باي نسب، وليس من شأنه ان يترعرع فيه أي صغير على الفطرة الاسلامية المهذبة. فلا شك انه غريب في هذه الحالة ايضا بكل اشخاصه واحواله واجوائه عن هذا الشاب الذي يريد ان يحتفظ بخلقه ودينه.

ولذلك فإن الواحد من هؤلاء الشبان لا يكاد يستأنس من بيته كله الا بغرفته الصغيرة التي يأوي اليها ويغلق على نفسه بابها كلما آواه المبيت او اقبل اليه لحاجة راحة او طعام وشراب.

فان امتزج وساير وجالس..تعرض لأخطر ما يتهدده من ضياع الذات وانمحاق الهداية وانحراف السلوك.

واكثر ما يؤرق هؤلاء الفتية، وقوعهم بين مشكلتي التعرض لغضب الله عز وجل والتعرض لسخط الوالدين او احدهما.

فإن احدهم اما ان ينصاع لأمر الله عز وجل في سلوكه او شيء من مظهره، فيغضب بذلك أحد ابويه ويصبح عاقاً له خارجً على أمره، واما ان يعصي الله عز وجل ويستهين بشيء من أوامره وحرماته، فيبر بذلك أبويه وينال رضى قلبيهما وسرور نفسيهما.

وليس المهم في حل الاشكال ان يذكر قول الله عز وجل:(وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً) وانما المهم ان يعلم كيف يكون حكيماً ولبقاً فيطيع الله تعالى من حيث لا يغضب ابويه، ليحقق بذلك معنى قوله عز و جل:(وصاحبهما في الدنيا معروفاً).

***

وبعد، فإن هاتين المعضلتين هما برأس المشكلات الاجتماعية التي يتعثر بها الشاب في الطريق الى تكوين نفسه، وفي الطريق الى بلوغ مرضاة ربه. وان من دونهما مشكلات فرعية اخرى لا مجال لذكرها في هذا المقام.


 

[1] الثقافة هي المعارف التي تتعلق بحياة الامم وتاريخها وعاداتها وافكارها. وإذاً فلكل أمة ثقافة تتميز بها. ويبدو أنه لا يستثنى من هذا التعميم إلا  الأمة العربية فثقافتها مزق واجزاء من ثقافات الآخرين.

[2] تطلق الداروينية الحديثة على النظرية التي اقترحها العالم الهولندي HUGO DE VERIES  لتفسير التطور، وهي تقوم على افتراض عامل الطفرة، بدلاً مما افترضه داروين من عامل انتخاب الاصلح. انظر كتاب علم الحياة الحيوانية للدكتور عبد الحليم سويدان.

[3] سأتوسع في شرح هذا الكلام، إن شاء الله، عند الحديث عن حلول هذه المشكلات.

[4] ليس هذا حكماً على الجميع. وإنما هو وصف لكثرة من هؤلاء الناس، يكفي عددهم لصبغ المجتمع بهذه الصبغة المؤسفة.

تحميل الكتاب كاملاً
تحميل الكتاب كاملاً
تحميل الكتاب كاملاً
يا أهلنا في غزة .. نحن معكم
الصفحة الرئيسيةما نسعى إليه من المشروعأدوات المناقشةالعمل و التنسيقالمـــــشـــــاركونالتقـــــويمالأنشــــــــطةالمصادر و المراجعمعرض الصورحكم و وصايا للشباب

 

الصفحة الرئيسيةما نسعى إليهأدوات المناقشةالعمل و التنسيقالمشاركونالتقويمالأنشطةالمصادر و المراجعمعرض الصورحكم و مواعظ